أزمة الصناعة الألمانية.. كيف تتوعد تهديدات ترامب الجمركية اقتصاد برلين؟
تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية على الاقتصاد الألماني بات يتصدر المشهد الاقتصادي العالمي، حيث يواجه قطاع الصناعة في برلين موجة جديدة من القلق والاضطراب الذي يهدد استقرارها؛ فبعد أن استبشرت الأوساط التجارية خيراً بالاتفاق السابق بين بروكسل وواشنطن، عادت التوترات لتلقي بظلالها من جديد نتيجة التهديدات المرتبطة بملف جزيرة غرينلاند؛ مما وضع الانتعاش الهش الذي حققته ألمانيا في عام 2025، بنمو طفيف قدره 0.2%، على المحك الفعلي أمام تقلبات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية على الاقتصاد الألماني ومعدلات النمو
يؤكد خبراء الاقتصاد في مؤسسة “آي ان جي” أن فرض ضرائب استيراد إضافية سيعمل بمثابة سم بطيء يقتل محاولات النهوض الاقتصادي في برلين؛ خاصة وأن الحكومة الألمانية كانت قد بنت توقعاتها لعام 2026 على أساس نمو يصل إلى 1.3% مدعوماً بإنفاق سخي على الدفاع والبنية التحتية، لكن هذه الأرقام باتت مهددة بالانهيار أمام خطة الإدارة الأمريكية لفرض رسوم تبدأ بنسبة 10% في فبراير لتصل إلى 25% بحلول يونيو؛ وهو ما يضع الصناعات الثقيلة التي تعاني أصلاً من أعباء الطاقة في مأزق حقيقي لا يمكن التنبؤ بنتائجه النهائية على المدى القريب.
يوضح الجدول التالي حجم التراجع في الصادرات الألمانية نحو السوق الأمريكية خلال فترات حرجة من عام 2025:
| القطاع الصناعي المتضرر | نسبة التراجع في الصادرات |
|---|---|
| قطاع السيارات والمركبات | -24.6% |
| المنتجات الكيميائية | -21.9% |
| الأدوات الآلية والمعدات | -12.8% |
| إجمالي الصادرات العام | -9% |
مخاطر تهدد قطاع الشركات المتوسطة وسلاسل الإمداد
يمثل تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية على الاقتصاد الألماني هاجساً مرعباً للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل الركيزة الأساسية للإنتاج؛ حيث يرى القائمون على هذه المؤسسات أن تحويل القواعد التجارية إلى أسلحة ضغط سياسي يجعل من الاستثمار أمراً شبه مستحيل في بيئة تغيب عنها القدرة على الاستشراف؛ فعندما تبلغ مهل تسليم الماكينات الصناعية ستة أشهر، يصبح من الصعب جداً التكيف مع قرارات مفاجئة ترفع التكاليف بنسب صادمة، وهذا الجنون التجاري الذي حفزته قضية غرينلاند قد يدفع الشركات التي تعتمد على السوق الأمريكي في نصف مبيعاتها إلى حافة الإفلاس أو تقليص النشاط بشكل حاد.
تتجلى خطورة هذه التهديدات في عدة نقاط محورية رصدتها الاتحادات الصناعية:
- فقدان القدرة على التخطيط السعري طويل الأمد نتيجة التغييرات الأحادية في الاتفاقيات.
- زيادة الضغوط على سلاسل الإمداد التي لم تتعافَ تماماً من تداعيات أزمة الطاقة السابقة.
- تراجع تنافسية المنتج الألماني أمام المنافسة الصينية الصاعدة وقوة اليورو الحالية.
- اضطرار المصنعين للبحث عن أسواق بديلة بشكل متسارع لتجنب التبعية للسوق الأمريكي.
البحث عن بدائل استراتيجية لمواجهة تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية على الاقتصاد الألماني
في ظل هذا التصعيد الذي يصفه الاتحاد الصناعي الألماني بأنه غير متناسب ويضر بجميع الأطراف المعنية، يتجه التفكير الرسمي نحو تعزيز الشراكات التجارية بعيداً عن واشنطن؛ فالاتفاق المرتقب بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور يمثل بصيص أمل لتعويض خسائر قطاع السيارات والآلات، وبينما يحاول المستشار الألماني فريدريش ميرتس تهدئة الأوضاع وتفادي الحرب التجارية الشاملة، يبدو أن بروكسل تستعد لردود فعل مدروسة؛ لأن استمرار الضغوط الأمريكية سيؤثر في النهاية على المستهلك الأمريكي نفسه الذي سيتحمل عبء ارتفاع الأسعار، مما قد يدفع الإدارة الأمريكية لمراجعة سياساتها الحمائية لتجنب السخط الداخلي الناتج عن غلاء المعيشة.
يرى المحللون في معهد “آي اف او” أن سرعة إبرام اتفاقيات تجارية جديدة هي الوسيلة الوحيدة لتخفيف حدة الصدمات القادمة من خلف المحيط؛ إذ إن الاعتماد بنسبة 9.4% من إجمالي الصادرات السلعية على زبون واحد كفيل بهز أركان الدولة حال قرر ذلك الزبون تغيير قواعد اللعبة فجأة، وبناءً عليه فإن التحرك الألماني القادم يجب أن يتسم بالمرونة العالية والقدرة على المناورة في أسواق بديلة تضمن استمرارية تدفق الإنتاج الصناعي الذي يعد عصب الحياة في أكبر اقتصاد أوروبي يكافح للبقاء بعيداً عن شبح الركود الطويل.

تعليقات