نهاية مسيرة.. رحيل صوت الطمأنينة وتباشير المطر عن أثير الإعلام السعودي

نهاية مسيرة.. رحيل صوت الطمأنينة وتباشير المطر عن أثير الإعلام السعودي
نهاية مسيرة.. رحيل صوت الطمأنينة وتباشير المطر عن أثير الإعلام السعودي

وفاة عبدالكريم المقرن وحسن كراني هي الفاجعة التي ألمّت بالشارع العربي والمحلي في يوم الجمعة الموافق الثالث والعشرين من شهر يناير؛ إذ ودعت المملكة العربية السعودية في هذا اليوم الحزين رمزين من رموزها الإعلامية الذين ارتبطت أصواتهم وملامحهم بوجدان الملايين؛ حيث رحل المذيع القدير عبدالكريم بن صالح المقرن، أحد أعمدة إذاعة القرآن الكريم، والتحق به في اليوم ذاته خبير الأرصاد الجوية الشهير حسن كراني، الذي لُقب بعميد مقدمي نشرات الطقس، ليفقد الإعلام السعودي في غضون أربع وعشرين ساعة فقط بصمتين ذهبيتين لا يمكن تعويضهما بسهولة.

عبدالكريم المقرن رائد البرامج الدينية في إذاعة القرآن

رحل المذيع عبدالكريم المقرن بعد صراع مرير مع المرض، بدأت فصوله بإجراء عملية جراحية في المرارة، ثم تطورت الحالة الصحية بشكل متسارع نتيجة مضاعفات حادة أصابت الرئتين والقلب والكليتين، مما استدعى بقاءه في غرفة العناية المركزة لفترة من الزمن حتى أسلم الروح لبارئها؛ ويعد الفقيد من الركائز الأساسية التي قام عليها الإعلام الإذاعي الديني، إذ منح صوته الطمأنينة لجموع المستمعين عبر برامج حفرت اسمها في القلوب مثل برنامج “نور على الدرب” وبرنامج “فتاوى”، إذ تميز بأسلوب واثق وهادئ في إدارة الحوارات الفقهية، مما جعل من وفاه عبدالكريم المقرن وحسن كراني خسارة فادحة للثقافة والوعي الشرعي والاجتماعي في المنطقة.

لقد تضمنت المسيرة المهنية الحافلة للمقرن تقديم حلقات نوعية برفقة كبار العلماء، حيث تولى إدارة برامج سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله بعد رحيل المذيع سليمان الشبانة؛ وقد اتسمت تجربته بالتنوع والعمق، شملت ما يلي:

  • تقديم الأجزاء الجوهرية من برنامج “نور على الدرب” العريق.
  • محاورة أعضاء هيئة كبار العلماء في البرامج المخصصة للفتاوى والإرشاد.
  • إعداد وتقديم مجموعة من البرامج الإذاعية المتخصصة ذات الطابع العلمي الرصين.
  • المساهمة الفاعلة في تعزيز الوعي الديني ونشر العلم الشرعي بأسلوب إعلامي مهني.

حسن كراني عميد نشرات الطقس والذاكرة التلفزيونية

في الوقت الذي كانت فيه التعازي تنهال برحيل المقرن، فُجع الوسط الإعلامي بخبر وفاة حسن كراني عن عمر يناهز السبعة وسبعين عاماً، بعد مسيرة إعلامية ملهمة امتدت لأكثر من أربعين عاماً قضاها في خدمة المشاهدين عبر الشاشة السعودية؛ فقد كان كراني أكثر من مجرد متحدث عن أحوال الجو؛ بل كان رفيقاً للبيوت بصوته المميز وعباراته الودودة التي جعلته رمزاً للطقس والمطر، ولا شك أن تزامن وفاة عبدالكريم المقرن وحسن كراني يمثل نهاية حقبة من الإعلام الكلاسيكي الجاد الذي نشأت عليه أجيال متعاقبة منذ بدايات البث التلفزيوني الملون في المملكة.

بدأت رحلة حسن كراني في مكة المكرمة عام 1949، حيث برز اهتمامه بالعلوم واللغات في سن مبكرة، مما مهد له الطريق للانضمام إلى الإذاعة السعودية قبل أن يتجه للتخصص الأكاديمي والمهني في الأرصاد الجوية؛ فمنذ عام 1978 أصبح الوجه الأول والوحيد تقريباً الذي ينتظره الجميع لمعرفة تقلبات الأجواء، متميزاً بكلماته الختامية التي لا تُنسى “شكراً لكم ومع السلامة” و”أحلى الأماني”، والتي ظلت محفورة في ذاكرة الأجيال كجزء من الهوية الإعلامية الوطنية التي تفتخر بها المملكة.

الاسم المجال الإعلامي أبرز الإنجازات
عبدالكريم بن صالح المقرن الإذاعة الدينية برنامج نور على الدرب ومنبر الفتاوى الشرعية
حسن كراني الأرصاد الجوية تأسيس المركز الوطني للأرصاد وعميد نشرات الطقس

الإرث المهني والرحيل المؤثر لرموز الإعلام

لم يتوقف عطاء حسن كراني عند الظهور التلفزيوني فحسب، بل ساهم بشكل جوهري في بناء البنية التحتية للأرصاد في المملكة، وشارك في تطوير أنظمة التنبؤات الجوية المتطورة، وشغل مناصب إدارية رفيعة في الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة؛ كما كان مرجعاً استشارياً في المحافل الدولية المتعلقة بالمناخ والظواهر الطبيعية، واستمر في تواصله مع الجمهور عبر المنصات الرقمية حتى بعد تقاعده عام 2019، ليختتم رحلته الأرضية بعد سبعة أشهر من العلاج في مجمع الملك عبدالله الطبي بجدة؛ إن وفاة عبدالكريم المقرن وحسن كراني تركت فراغاً كبيراً وأثبتت أن القامات الإعلامية الحقيقية هي التي تترك أثراً باقياً يتجاوز حضورها الجسدي.

تسابقت الأقلام والمنصات في نعي الفقيدين، حيث استذكر الزملاء والمحبون السمات الشخصية التي ميزت كل منهما، من رصانة المقرن وعلمه إلى عفوية كراني ودفء حديثه؛ وقد أكدت كلمات النعي الصادرة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن هذين الرجلين لم يكونا مجرد موظفين خلف المايكروفونات والكاميرات، بل كانا معلمين ورفقاء درب ساهموا في تشكيل الوعي الجمعي السعودي، ليبقى إرثهما منبراً يتعلم منه الجيل الجديد أصول المهنة وأدبيات الظهور الإعلامي الرصين الذي يحترم عقل المشاهد ووجدانه بصدق وإخلاص.