فعاليات معرض القاهرة.. مناقشة كتاب الذاكرة الاجتماعية لمواجهة تشويه الهوية في ندوة متخصصة
يعد كتاب الذاكرة الاجتماعية: رؤية جديدة للماضي منجزاً فكرياً وثقافياً يسلط الضوء على آليات حماية الهوية الوطنية من خلال فهم أعمق للتاريخ الجمعي؛ إذ استضاف معرض القاهرة الدولي للكتاب في نسخته السابعة والخمسين ندوة نقاشية ثرية ركزت على هذا العمل المترجم بواسطة الدكتورة هدى زكريا، وبحضور نخبة من المفكرين مثل الكاتب الصحفي أحمد رفعت والمؤرخ جمال شقرة، بهدف استكشاف كيف تتشكل الذاكرة البصرية والشفاهية في مواجهة محاولات التزييف الممنهجة التي تستهدف الوعي الشعبي المصري.
أهمية كتاب الذاكرة الاجتماعية وتأثيره على الهوية
يمثل كتاب الذاكرة الاجتماعية ثمرة جهد معرفي تراكمي لكل من المؤرخين جيمس فينتريس وكريس ويكهام؛ حيث يعيد الاعتبار للدور الجوهري الذي تلعبه الذاكرة في بناء الحضارات الإنسانية بعيداً عن مجرد سرد الأحداث الجافة، وقالت ناهد عبد الحميد التي أدارت الندوة إن هذا العمل يفتح بوابات واسعة لفهم التمثيل البصري للتاريخ؛ بينما أكدت المترجمة هدى زكريا أن فقدان الذاكرة الجماعية يعادل تلاشي العبقرية الفردية، متسائلة عن مصير القامات العلمية مثل أحمد زويل أو مجدي يعقوب إذا ما فقدوا قدرتهم على تذكر ذواتهم، وهو تماماً ما يُخطط للشعوب حين تُستهدف هويتها التاريخية عبر ضربات متتالية لثوابتها ورموزها التي تشكل الوعي المشترك.
تطرقت محاور الندوة إلى ضرورة التمييز بين الحقائق التاريخية والسرديات المشوهة التي يتم الترويج لها لأغراض سياسية أو أيديولوجية؛ حيث تبرز حاجة المجتمع إلى:
- استعادة الذاكرة الشفاهية التي تنتقل عبر الأجيال والخبرات الحرفية.
- مواجهة التشويه المتعمد للرموز الوطنية مثل الملك رمسيس الثاني والزعيم أحمد عرابي.
- تفكيك السرديات الغربية التي تصنع أبطالاً خياليين لتعويض الهزائم التاريخية كما في أسطورة رولان.
- الوعي بمخاطر التزييف الذي طال أكثر من 90% من السرديات التاريخية المتداولة حالياً.
تحديات حماية الذاكرة الاجتماعية في مواجهة التشويه التاريخي
كشف المتحدثون أن كتاب الذاكرة الاجتماعية يأتي في وقت تعاني فيه مصر من تدوين مشوه بدأ منذ عقود؛ إذ أشار أحمد رفعت إلى أن الوعي المصري تعرض لعمليات تجهيل وتضليل مقصودة، خاصة فيما يتعلق بدمج أدبيات جماعات معينة داخل السرد العام للدولة، وأوضح أن استعادة الهوية لا تعتمد فقط على الوثائق الرسمية بل على التاريخ الشعبي المكتوب على جدران الشوارع، وخلال الندوة تم عرض مقارنة تاريخية توضح حجم الاستهداف الذي تعرضت له الكوادر المصرية قديماً لضرب استدامة المعرفة والحرف اليدوية:
| الحدث التاريخي | الأثر على الذاكرة والهوية المصرية |
|---|---|
| تفريغ الحرفيين ونقلهم لإسطنبول | انهيار منظومة الأسطوات وفقدان الخبرات المهنية المتراكمة. |
| خلط رمسيس الثاني بفرعون موسى | طمس الحقائق التاريخية وربط الأمجاد الفرعونية بصور سلبية. |
| تشويه ثورة أحمد عرابي | تفريغ الحركات الوطنية من معناها وتصويرها كأدوار مسرحية. |
دور الترجمة والبحث في استعادة الذاكرة الاجتماعية الوطنية
اعتبر الدكتور جمال شقرة أن ترجمة كتاب الذاكرة الاجتماعية إلى العربية إضافة جوهرية لمكتبة الوعي؛ لأن النص الأصلي كُتب بلغة إنجليزية معقدة وأسلوب نقدي كثيف يصعب على القارئ غير المتخصص استيعابه، وأكد شقرة أن الدفاع عن التاريخ هو دفاع عن الدين واللغة والرموز؛ فالمؤرخ يواجه صعوبة بالغة في التنقيب بين الوثائق والروايات الشفهية المليئة بالثغرات، محذراً من المحاولات الصهيونية والجهات التي تسعى لمسخ الشخصية المصرية عبر قصص مختلقة تهدف لكسر الإرادة الشعبية، وهو ما يتطلب يقظة نقدية مستمرة تعيد الاعتبار للذاكرة الفردية والجمعية باعتبارها الجينات الموروثة التي تحمل جدارة البقاء والمقاومة لبناء مستقبل يرتكز على أرض صلبة من الحقائق.
إن الرهان الحقيقي الذي يطرحه كتاب الذاكرة الاجتماعية يكمن في قدرة الأجيال الجديدة على قراءة الماضي بوعي نقدي يتجاوز التجهيل الممنهج؛ فالتاريخ ليس مجرد حكايات تُروى بل هو فعل إنساني مستمر يتطلب الصون من العبث، والحفاظ على التفاصيل الدقيقة للحرف والمهن والبطولات المصرية القديمة والمعاصرة هو السبيل الوحيد للإجابة عن سؤال “من نحن” في ظل الصراعات الثقافية الكبرى، وبدون هذه الذاكرة المتيقظة تظل الشعوب تائهة في فراغ السرديات المزيفة التي لا تخدم إلا من يريد تغييبها عن مسرح التأثير العالمي.

تعليقات