أسرار التنازل.. كواليس تغيير مؤدي أشهر أغنية رمضانية من عبد القادر إلى عبد المطلب

أسرار التنازل.. كواليس تغيير مؤدي أشهر أغنية رمضانية من عبد القادر إلى عبد المطلب
أسرار التنازل.. كواليس تغيير مؤدي أشهر أغنية رمضانية من عبد القادر إلى عبد المطلب

قصة أغنية رمضان جانا وكواليس تنازل أحمد عبد القادر عنها للفنان محمد عبد المطلب تمثل واحدة من أثمن الحكايات في تاريخ الموسيقى العربية؛ إذ لم تكن مجرد محض صدفة عابرة، بل كانت تحولاً جذرياً في مسار التراث الغنائي الرمضاني الذي تشكل عبر عقود طويلة ليصبح “البيان الرسمي” الذي ينتظره الملايين كل عام، وفي السطور التالية نستعرض كيف ولدت هذه الأيقونة من رحم الأزمات وكيف استقر صوت “ملك المواويل” في وجدان الأجيال المتعاقبة منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

كواليس إنتاج أغنية رمضان جانا والصدفة التي منحتها لعبد المطلب

تعود الجذور التاريخية لهذا العمل الخالد إلى عام 1943، حين كان الفنان أحمد عبد القادر صاحب رائعة “وحوي يا وحوي” يستعد لتقديم لحن جديد يرحب به بقدوم الشهر الكريم؛ إلا أن سياسات الإذاعة المصرية الصارمة في ذلك الوقت حالت دون ذلك بسبب رفض المسؤولين منح مطرب واحد حق غناء أكثر من عمل رمضاني في الموسم نفسه، وهذا الموقف الإداري غير المتوقع دفع عبد القادر للتنازل عن اللحن لصالح صديقه المقرب محمد عبد المطلب؛ الذي كان يعاني حينها من أزمة مالية طاحنة انعكست على حياته المعيشية وضاعفت من حاجته لأي عمل فني يعيده إلى الساحة، فوافق عبد المطلب على أداء قصة أغنية رمضان جانا مقابل مكافأة زهيدة للغاية بلغت ستة جنيهات فقط، وهو مبلغ لم يكن يوحي أبداً بأن الأغنية ستتحول إلى النشيد الوطني غير الرسمي لشهر الصيام، وتوضح البيانات التالية أهم المعلومات المتعلقة بهذا العمل التاريخي:

عنصر العمل الفني التفاصيل التاريخية والمالية
تاريخ التسجيل الأول 2 سبتمبر 1943م (2 رمضان 1362هـ)
الأجر الذي تقاضاه عبد المطلب 6 جنيهات مصرية فقط
صناع العمل (كلمات وألحان) الشاعر حسين طنطاوي والموسيقار محمود الشريف
العمر الزمني للأغنية حتى 2026 حوالي 83 عاماً من البث المستمر

تأثير الحرب العالمية الثانية على ولادة قصة أغنية رمضان جانا

لم تكن الظروف التي سجل فيها محمد عبد المطلب هذا اللحن مثالية بأي حال، فقد كانت نيران الحرب العالمية الثانية تشتعل في أرجاء المعمورة وتلقي بظلالها الكئيبة على القاهرة؛ مما أدى إلى إغلاق الكازينوهات وتوقف خطوط الإنتاج السينمائي وحدوث ركود فني غير مسبوق أثر على كبار النجوم، وفي وسط هذا الركام النفسي والمادي، خرجت قصة أغنية رمضان جانا لتخترق جدران اليأس وتصل إلى العائلات المصرية عبر أجهزة الراديو التي كانت بدأت تنتشر كأحدث وسائل الترفيه المنزلي، فاستطاع صوت عبد المطلب العريض والدافئ أن يحول الألحان التي صاغها محمود الشريف إلى طاقة من الأمل والبهجة؛ مما جعلها الأغنية الأكثر طلباً في الإذاعة لفترات قياسية، بل إنها كانت بمثابة طوق النجاة الحقيقي الذي أعاد لعبد المطلب بريقه الفني وساعده على تجاوز محنته الاقتصادية الصعبة في تلك الحقبة الحرجة.

محمد عبد المطلب ملك المواويل وصاحب الأرقام القياسية

بدأ “أبو نور” مسيرته الفنية من مسرح البديعة مصابني في الثلاثينيات، حيث ولد في شبراخيت بمحافظة البحيرة عام 1910، وصقل موهبته بالعمل مع كبار الملحنين وعلى رأسهم محمد عبد الوهاب الذي أنتج له فيلم “تاكسي حنطورة”؛ ليتوج لاحقاً بلقب ملك المواويل نظراً لبراعته الفائقة في غناء الموال الشعبي الأصيل بأسلوب لم يتكرر، وتؤكد أرشيفات المجلات الفنية القديمة مثل مجلة “الفن” الصادرة عام 1950 أن شعبية عبد المطلب تجاوزت كل التوقعات، وهذه الشعبية الجارفة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بنجاح قصة أغنية رمضان جانا التي تميزت بعدة عناصر جعلتها خالدة:

  • الصدق في الأداء الذي نبع من احتياج الفنان الحقيقي لإثبات ذاته في ظرف صعب.
  • الكلمات البسيطة للشاعر حسين طنطاوي التي لمست قلوب الطبقات الشعبية والمثقفة على حد سواء.
  • اللحن الانسيابي الذي يسهل ترديده من قبل الأطفال والكبار في كل زمان ومكان.
  • الارتباط الشرطي بين صوت عبد المطلب ورؤية هلال رمضان وبدء الاحتفالات في الشوارع.

تظل قصة أغنية رمضان جانا درساً ملهماً في كواليس الفن؛ إذ تثبت أن العمل الصادق لا يحتاج لميزانيات فلكية ليبقى حياً في ذاكرة الناس لعشرات السنين، فبينما نستعد لاستقبال رمضان 2026، سنجد أنفسنا نردد العبارات ذاتها التي غناها ملك المواويل قبل ثمانية عقود بلهفة وشوق كما لو كانت تذاع للمرة الأولى، وهذا الامتداد الوجداني يؤكد أن محمد عبد المطلب نجح في تخليد اسمه عبر التاريخ، مخلفاً وراءه أثراً موسيقياً يبدد وحشة الزمن ويجدد الفرحة في القلوب بكل فطرية وبهاء.