رحيل روبرت دوفال.. نجم هوليوود يودع جماهيره بعد مسيرة فنية استمرت 70 عامًا
مسيرة روبرت دوفال السينمائية ستبقى واحدة من أكثر الفصول إلهامًا في تاريخ هوليوود، فقد ودعت الأوساط الفنية العالمية هذا الممثل القدير الذي رحل عن عمر ناهز 95 عامًا؛ بعدما قضى أكثر من ستة عقود في تقديم فن يتجاوز حدود التمثيل التقليدي، حيث غادر دوفال دنيانا بسلام في منزله الريفي بميدلبيرغ في ولاية فرجينيا، تاركًا خلفه إرثًا من الشخصيات العميقة التي صاغت وجدان عشاق السينما، ومؤشرًا واضحًا على أن الممثل الحقيقي هو من يذوب في تفاصيل دوره حتى تختفي معالم شخصيته الواقعية، مما منحه لقب “الممثل الحرباء” الذي استحق تقدير زملائه ونقاد السينما على حد سواء كمرجع عبقري في فن الأداء التعبيري والحركي الصادق.
محطات خالدة في مسيرة روبرت دوفال السينمائية والعرّاب
تعتبر شخصية “توم هيجن” التي جسدها دوفال في ملحمة العرّاب (The Godfather) للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، حجر الزاوية الذي ارتكزت عليه مسيرة روبرت دوفال السينمائية نحو العالمية والخلود الفني؛ فقد نجح في تقديم صورة المحامي المخلص والمستشار الهادئ لعائلة كورليوني ببراعة مذهلة، موازنًا بين العقلانية والصلابة في ظل صراعات المافيا الدموية، وهو الدور الذي منحه أول ترشيح لجائزة الأوسكار من بين سبعة ترشيحات نالها في تاريخه الحافل، قبل أن يتوج بالجائزة المرموقة لاحقًا، وبذلك أثبت أن حضوره في أي كادر سينمائي يمنحه هيبة خاصة تجبر المشاهد على الانتباه لكل خلجة في وجهه، مؤكدًا أن الموهبة الفذة تستطيع فرض سطوتها حتى في ظل وجود عمالقة آخرين في العمل نفسه.
تتميز أعمال دوفال بالتنوع المذهل الذي رصدته الأوساط الفنية في الجدول التالي:
| الفيلم الشهير | الشخصية المجسدة | الأهمية الفنية |
|---|---|---|
| The Godfather | توم هيجن (المستشار) | أيقونة الهدوء والولاء |
| Apocalypse Now | بيل كيلجور | جملة سينمائية لا تُنسى |
| Tender Mercies | ماك سليدج | الفوز بجائزة الأوسكار |
الكفاح العسكري وبدايات مسيرة روبرت دوفال السينمائية
لم تأتِ النجومية التي حققها هذا الفنان من فراغ، بل ولدت من رحم المعاناة والانضباط الذي تعلمه خلال خدمته في الجيش الأمريكي أثناء الحرب الكورية عقب تخرجه من كلية برينسيبيا، وتلك التجربة العسكرية كانت هي المنبع الذي استسقى منه القدرة على تقمص أدوار الرجل القوي والصلب في مسيرة روبرت دوفال السينمائية الطويلة؛ إذ انتقل بعدها إلى نيويورك ليدرس التمثيل على يد “سانفورد مايسنر” العظيم، وهناك تشارك العيش في شقة متواضعة مع صديقه داستن هوفمان وبصحبة جين هاكمان، ليشكل هذا الثلاثي الطموح جيلًا من العمالقة أعاد صياغة مدرسة الواقعية في السبعينيات، فكانت تلك الأيام الصعبة هي الوقود الذي أشعل شغفه وجعله متمسكًا بأدواته الفنية حتى الرمق الأخير من حياته العملية.
اعتمد دوفال في بروزه الفني على ركائز أساسية شملت:
- الانضباط العالي المستمد من الخلفية العسكرية في شبابه.
- الدراسة الأكاديمية العميقة لفن التمثيل في نيويورك.
- الصدق المطلق في تجسيد المشاعر الإنسانية المعقدة.
- القدرة على اختيار أدوار تترك أثرًا نفسيًا لدى المتلقي.
تنوع الأدوار وبصمة مسيرة روبرت دوفال السينمائية
تجلت عبقرية هذا الفنان في قدرته على القفز بين الأنماط المختلفة بلياقة فنية نادرة، فمن دوره العسكري المهيب في فيلم “القيامة الآن” (Apocalypse Now) وإلقائه لواحدة من أشهر الجمل في تاريخ السينما، إلى تجسيده لشخصيات رعاة البقر والقضاة الصارمين، ظلت مسيرة روبرت دوفال السينمائية نبراسًا للمصداقية والعمق الذي ينشده كبار المخرجين؛ فقد كان يمثل الجسر الذي يربط بين كلاسيكية هوليوود القديمة وبين الحداثة الواقعية التي تغوص في أغوار النفس البشرية دون تكلف، ورحيله اليوم يغلق صفحة ذهبية من الإبداع، لكنه يفتح آفاقًا جديدة للممثلين الشباب ليتعلموا كيف يكون الإخلاص للشخصية أهم من الضجيج الإعلامي، وكيف يمكن للفن أن يظل متقدًا حتى في سن الخامسة والتسعين.
إن غياب هذا العملاق في منزله الهادئ بعيدًا عن أضواء الشهرة الزائفة ينسجم تمامًا مع فلسفته التي عاش بها، حيث كان يرى أن العمل الجاد خلف الكاميرا هو ما يبني الأيقونات الحقيقية، وستبقى مسيرة روبرت دوفال السينمائية حية في كل مشهد قدمه، سواء في دور المحامي الرزين أو القائد العسكري القاسي، لتظل تجربته مدرسة متحركة للأجيال القادمة، وشاهدًا على موهبة فذة لم تعترف بمفهوم التقاعد أبدًا حتى لحظة رحيله الأخيرة.

تعليقات