أوجاع الواقع.. السينما العربية تسجل حضورا استثنائيا في مهرجان برلين السينمائي الدولي
المشاركة العربية في مهرجان برلين السينمائي الدولي تتصدر المشهد الثقافي العالمي هذا العام، حيث تترقب الجماهير وعشاق السينما انطلاق الدورة السادسة والسبعين في العاصمة الألمانية خلال الفترة الممتدة من 12 إلى 22 فبراير المقبل؛ إذ تعكس هذه المشاركة القوية تحولات الهوية العربية وتناقش قضايا شائكة عبر لغة بصرية متطورة تتجاوز مجرد التنافس على جوائز “الدب الذهبي” لتصبح جسراً إنسانياً.
| الفيلم العربي | المخرج/ة | الدولة المشاركة |
|---|---|---|
| خروج آمن | محمد حماد | مصر، ليبيا، تونس، قطر، ألمانيا |
| يومًا ما ولد | ماري روز أسطا | لبنان |
| يوم الغضب: حكايات من طرابلس | رانيا رافعي | لبنان |
| الجانب الآخر من الشمس | توفيق صابوني | سوريا |
المشاركة العربية في مهرجان برلين السينمائي الدولي وتحليل الصدمات النفسية
يعتبر فيلم “خروج آمن” للمخرج محمد حماد من أبرز ملامح المشاركة العربية في مهرجان برلين السينمائي الدولي ضمن قسم “البانوراما”، وهو عمل يمثل تعاوناً إنتاجياً ضخماً يضم تونس وليبيا وقطر وألمانيا إلى جانب مصر، حيث يتجاوز الفيلم إطار الإثارة التقليدي ليشرّح الآثار النفسية العميقة التي يخلفها العنف، مسلطاً الضوء على حارس أمن شاب يواجه اضطرار ما بعد الصدمة نتيجة عمل إرهابي راح ضحيته والده؛ إذ يهدف محمد حماد من خلال هذا العمل إلى استكشاف مفهوم الصمود الإنساني والتعايش رغم الجراح، بينما تصف المنتجة درة بوشوشة الفيلم بأنه رحلة عميقة في الذاكرة الجمعية وتأثيرات الهوية الدينية على الأجيال المتعاقبة، في حين تشير دينا فاروق إلى الأهمية القصوى لرصد التبعات الصامتة للدمار التي تتجاهلها عادة وسائل الإعلام وشاشات الأخبار اليومية.
تنوع السينما اللبنانية ضمن المشاركة العربية في مهرجان برلين السينمائي الدولي
تتجلى قوة الحضور اللبناني كجزء أساسي من المشاركة العربية في مهرجان برلين السينمائي الدولي عبر مسارين فنيين متباينين، حيث تقدم المخرجة ماري روز أسطا في فيلم “يوماً ما ولد” مزيجاً ساحراً بين الواقع والفنتازيا داخل قرية تعيش تحت وطأة أصوات الطائرات الحربية، فتروي قصة طفل بملامح استثنائية يواجه قسوة الاعتياد على مظاهر الحرب التي أصبحت جزءاً من الوجدان اليومي، وعلى الجانب الآخر يأتي فيلم “يوم الغضب: حكايات من طرابلس” للمخرجة رانيا رافعي كوثائقي هجين يستحضر تاريخ ثورات مدينة طرابلس منذ عام 1943 بمشاركة ناشطين من أجيال مختلفة، ومن خلال هذا العمل تسعى رافعي لرفع التهميش عن المدينة التي لقبت بعروس الثورة؛ مع تشديدها على أن تحولات طرابلس الاجتماعية والسياسية ترتبط جذرياً بالقضية الفلسطينية التي تظل المحرك الوجداني الأول لمنطقة الشرق الأوسط بأسرها.
واقعية المشهد السوري في إطار المشاركة العربية في مهرجان برلين السينمائي الدولي
يمثل فيلم “الجانب الآخر من الشمس” للمخرج توفيق صابوني صرخة مدوية في سجل المشاركة العربية في مهرجان برلين السينمائي الدولي، حيث ينقل لنا وثيقة بصرية صادمة ترتكز على شهادات حية لخمسة ناجين من معتقل “صيدنايا” في سوريا، ولا يقتصر دور الفيلم على التوثيق التاريخي فحسب؛ بل يتجاوزه ليجعل من الشهادة الشخصية فعلاً سينمائياً مقاوماً يمنح صوتاً جوهرياً لكل من عانى من التغييب القسري خلف الجدران المظلمة، وهذا العمل التسجيلي يبرهن على أن السينما العربية بلغت مرحلة من النضج تجعلها قادرة على تحويل الألم المحلي إلى قضية إنسانية عالمية تبحث عن الحقيقة وسط ركام النزاعات، فالمبدع العربي اليوم لم يعد ناقلاً للحدث بل محللاً بارعاً لأثره الاجتماعي بعيد المدى.
- تحليل الانكسارات اليومية والبحث عن قيمة الصمود الإنساني في خريف الحروب
- توثيق التحولات الثورية وتأثيرها على الهوية الاجتماعية والسياسية للمدن العربية
- استنطاق جدران المعتقلات وتحويل صمت الضحايا إلى وثائق بصرية عالمية
- استخدام الفنتازيا السينمائية لتصوير اعتياد الشعوب على مظاهر العنف المسلح
إن وجود هذه النخبة من المبدعين تحت مظلة المشاركة العربية في مهرجان برلين السينمائي الدولي يثبت أن السينما هي الناجي الحقيقي الذي يمتلك ترف التذكر وشجاعة المواجهة، حيث يتحد كل من محمد حماد وماري روز أسطا ورانيا رافعي وتوفيق صابوني في خيط واحد يرفض النسيان ويسعى لتقديم رؤية متكاملة عن واقع معقد؛ فالفن يظل الوسيلة الأسمى لمواجهة القبح بجمال التعبير وبناء جسور نحو مستقبل ينشد العدالة والسلام بين الشعوب.

تعليقات