تراجع التضخم لـ1.7%.. تحركات مرتقبة من البنك المركزي الأوروبي لسياسة نقدية مرنة
توقعات معدلات التضخم في منطقة اليورو تثير قلق صناع السياسة النقدية في الآونة الأخيرة؛ حيث حذر فابيو بانيتا، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي ورئيس البنك المركزي الإيطالي، من بقاء المخاطر المحيطة بأسعار المستهلكين “كبيرة” في كلا الاتجاهين الصعودي والهبوطي، موضحًا أن المرحلة الراهنة تتطلب تبني سياسة نقدية تتسم بالمرونة الفائقة والقدرة على الاستجابة السريعة للمتغيرات، مع ضرورة إجراء تقييم شامل وعميق لكل البيانات الاقتصادية الواردة، خاصة تلك المتعلقة بتدفق السلع الأجنبية وأثرها المباشر على السوق المحلية وتوازن الأسعار العام.
تأثير الواردات الصينية على معدلات التضخم في منطقة اليورو
يرى بانيتا أن التراجع الحاد وغير المتوقع في معدلات التضخم في منطقة اليورو والذي بدأ يتبلور مطلع عام 2026 يستدعي رقابة صارمة، مشيرًا في مؤتمر مالي بإيطاليا إلى أن الواردات القادمة من الصين تلعب دورًا محوريًا في هذا المشهد الاقتصادي المعقد؛ فقد سجلت هذه الواردات قفزة كمية ملحوظة بنسبة 27% منذ بداية عام 2024 بالتزامن مع انخفاض أسعارها بنحو 8%، وهو ما يولد ضغوطًا انكماشية واضحة على السلع التي تواجه منافسة صينية مباشرة، مما يساهم بفعالية في خفض المستويات العامة للأسعار وزيادة التحديات أمام البنك المركزي في التحكم في وتيرة نمو التكاليف المعيشية.
| المؤشر الاقتصادي (منذ بداية 2024) | نسبة التغير (القيمة) |
|---|---|
| حجم الواردات الصينية لليورو | +27% ارتفاع |
| أسعار السلع المستوردة من الصين | -8% انخفاض |
| معدل التضخم في يناير (سنوي) | 1.7% |
ورغم أن الأثر الانكماشي لهذه التدفقات التجارية ما زال يعتبر محدودًا نسبيًا من منظور كلي؛ إلا أنه أصبح ملموسًا بشكل لا يمكن تجاهله في قطاعات محددة، حيث يلاحظ أن أسعار السلع الأكثر عرضة للمنافسة الصينية تتباطأ وتيرتها أسرع بكثير من بقية بنود سلة المستهلك، ومن المتوقع أن ينمو هذا التأثير ويتعزز داخل معدلات التضخم في منطقة اليورو خلال الأشهر القادمة، مما يضع ضغوطًا إضافية على المركزي الأوروبي لتحقيق التوازن بين دعم النمو ومنع انكماش الأسعار المفرط الذي قد يعيق النشاط الاستثماري والإنتاجي للدول الأعضاء.
مخاطر السياسة النقدية تجاه معدلات التضخم في منطقة اليورو
يتعين على صانعي السياسة المالية مراقبة عدة جبهات متناقضة تؤثر في معدلات التضخم في منطقة اليورو حاليًا؛ فبينما تضغط الواردات الرخيصة واليورو القوي نحو الأسفل، تبرز مخاطر صعودية تتمثل في تقلبات أسواق الطاقة والتوترات الجيوسياسية المستمرة التي قد تعصف بأسعار السلع الأولية وتعيدها للارتفاع، فضلاً عن استمرار تجزؤ سلاسل الإمداد العالمية الذي يرفع تكاليف الإنتاج، ولتوضيح العوامل التي تشكل ضغوطًا هبوطية على الأسعار يمكن النظر في النقاط التالية:
- استمرار تدفق السلع الصينية منخفضة التكلفة إلى الأسواق الأوروبية بكثافة كبرى.
- الارتفاع الإضافي المحتمل في سعر صرف العملة الموحدة (اليورو) أمام العملات الرئيسية.
- إمكانية حدوث تصحيح سعري في الأسواق المالية يؤدي إلى انخفاض الطلب العام.
- تباطؤ سرعة نمو الأسعار بمعدل يفوق تقديرات البنك المركزي السابقة في تقاريره.
ويؤكد بانيتا أن الانخفاض الذي سجلته معدلات التضخم في منطقة اليورو وصولاً إلى 1.7% في يناير الماضي، هو أدنى مستوى منذ 16 شهرًا، وهو ما وضعه تحت المستهدف الرسمي البالغ 2%؛ وهذا التطور النوعي جعل خبراء البنك ومحافظيه ينتظرون تقديرات شهر مارس الاقتصادية الجديدة بفارغ الصبر، إذ ستكون هذه البيانات بمثابة البوصلة الحقيقية التي ستوجه قرارات الفائدة والسياسة النقدية المقررة لمواجهة احتمالات التباطؤ الحاد في الأسعار، مع الحفاظ على الأفق المتوسط الأجل كمرجع أساسي لضمان استقرار العملة والنمو المستدام في القارة.
إن صمود معدلات التضخم في منطقة اليورو ضمن نطاق الأمان يتطلب توازنًا دقيقًا بين مراقبة أسعار الطاقة المتقلبة وضمان عدم الانجراف نحو ركود تضخمي بسبب العوامل الخارجية؛ ولذلك شدد بانيتا على أن المرونة تظل هي المفتاح الذهبي للتعامل مع واقع اقتصادي يتسم بالتغيرات الجيوسياسية والضغوط التجارية الصينية المتصاعدة، وهو ما يفرض على البنك المركزي الأوروبي البقاء في حالة تأهب دائم لتحليل كافة البيانات والانعكاسات المحتملة على القوة الشرائية لمواطني المنطقة وتنافسية اقتصادها الكلي.

تعليقات