أرقام قياسية وتغيرات حادة.. لماذا تتطرف أحوال الطقس بين الثلوج وموجات الحر الكبرى؟
أسباب تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة عالميا ترتبط بشكل مباشر بالتغيرات الجذرية التي طرأت على غلافنا الجوي خلال العقود الأخيرة، حيث نلاحظ تحولاً مرعباً في سلوك الطبيعة من العواصف الثلجية العنيفة إلى موجات الحر الحارقة التي لا تنتهي؛ فالعالم اليوم يواجه واقعاً مناخياً جديداً ومضطرباً، وبالرغم من أن أجدادنا العرب عرفوا قديماً موجات الحر الشديدة وأطلقوا عليها مسمى “الوغرات”، إلا أن ما نعيشه الآن يتجاوز تلك المفاهيم التاريخية بوضوح؛ إذ أصبحت هذه الموجات أكثر حدة وتكراراً وتستمر لفترات زمنية أطول، لدرجة أن بعض الأقاليم الجغرافية باتت تعاني من صيف طويل يبدو كموجة حر واحدة ممتدة لا تتخللها نسمات باردة.
تأثير الاحتباس الحراري على تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة عالميا
إن الفهم العلمي الدقيق لما يحدث يشير إلى أن الاحتباس الحراري هو المحرك الأساسي لحالة عدم الاستقرار هذه، فالأمر ليس مجرد ظاهرة عابرة بل هو نتيجة تراكم غازات الدفيئة التي أدت لارتفاع حرارة المحيطات والغلاف الجوي وتخريب توازن مناخي استمر لآلاف السنين؛ ومع ارتفاع متوسطات درجات الحرارة العالمية، نجد أن الحالات الجوية القاسية تخرج عن السيطرة لتصبح القاعدة لا الاستثناء، حيث يستخدم العلماء نموذج “المنحنى الجرسي” لتوضيح فكرة أطراف التوزيع المناخي، فبينما كانت الأيام المعتدلة هي السائدة في منتصف المنحنى والأيام المتطرفة نادرة على أطرافه، أدى الاحترار إلى زحزحة المنحنى بالكامل نحو درجات حرارة أعلى، ما جعل تحطيم الأرقام القياسية أمراً يسيراً وحول موجات الحر القاتلة من حوادث نادرة الوقوع إلى ظواهر سنوية متكررة تزيد من الضغط على النظم البيئية والبشرية.
تتفاقم الأزمة بفعل حلقات التغذية الراجعة التي يسببها جفاف التربة، فعندما تتبخر المياه من الأرض تساهم طبيعياً في تبريد الهواء، ولكن مع اشتداد حدة الجفاف تفقد التربة رطوبتها بشكل مبكر وتتوقف هذه العملية الحيوية؛ وبدلاً من التبريد، يبدأ الهواء في امتصاص الحرارة مباشرة من الأرض الجافة، مما يغذي موجات الحر ويزيد من مدتها وقوتها، وهذا بدوره يخلق سلسلة من الكوارث المتلاحقة التي تشمل:
- تزايد الحرائق في الغابات والمساحات الخضراء نتيجة الجفاف المفرط.
- تناقص مخزونات المياه العذبة وتهديد الأمن الغذائي العالمي.
- ارتفاع مخاطر الفيضانات المفاجئة بسبب عدم قدرة الأرض اليابسة على امتصاص الأمطار.
تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة عالميا وعلاقتها بالمحيطات والرطوبة
تتحكم القوانين الفيزيائية في تفسير أسباب تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة عالميا، لعل أبرزها قاعدة “كلوزيوس-كلابيرون” التي توضح أن الهواء الدافئ يمتلك قدرة أكبر على حبس بخار الماء بنحو 7% لكل درجة حرارة إضافية؛ هذا الوقود الرطوبي هو ما يفسر هطول الأمطار الغزيرة في فترات قياسية قصيرة، مما يرفع احتمالات وقوع الفيضانات المدمرة والعواصف التي لا يمكن التنبؤ بمسارها، وتلعب المحيطات دوراً محورياً بصفتها الخزان الحراري الأكبر للكوكب، فمع سخونة المياه السطحية يزداد التبخر وتتدفق طاقة هائلة تغذي الأعاصير، مما يرفع من تصنيفها لتصبح أكثر تدميراً وذات رياح عاتية وأمطار فيضانية تفوق قدرات البنى التحتية الحالية على المواجهة.
| العنصر المناخي المتأثر | التأثير المتوقع نتيجة الاحترار |
|---|---|
| قوة الأعاصير المدارية | زيادة نسبة الفئات العليا والأكثر تدميراً |
| هطول الأمطار | زيادة الغزارة بنسبة تقارب 7% لكل درجة مئوية |
| مستوى سطح البحر | ارتفاع مستمر يهدد المدن الساحلية بالغرق |
التفاعلات المعقدة التي تقود إلى تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة عالميا
يسهم ذوبان الكتل الجليدية في القطبين برفع منسوب البحار، وهذا يضاعف من قوة الكوارث الساحلية؛ فالعاصفة التي كانت تمر بسلام قبل عشرات السنين أصبحت اليوم تدفع كميات أكبر من المياه لعمق اليابسة نتيجة الارتفاع القاعدي لمستوى البحر، ومن المثير للدهشة أن هذا الاحترار العالمي قد يقود أحياناً إلى موجات برد ثلجية قاسية في مناطق غير معتادة، ويعود ذلك لاضطرابات الدوامة القطبية التي تضعف فتسمح للهواء المتجمد بالهروب جنوباً؛ إن المناخ منظومة مترابطة وشديدة التعقيد تعبر عن “تأثير الفراشة” بأوضح صوره، حيث يؤدي أي خلل بسيط في أحد العناصر إلى سلسلة من التغيرات العنيفة والمتلاحقة.
إن إدراك حقيقة تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة عالميا يتطلب النظر إلى المناخ كشبكة متفاعلة لا تتوقف عند حدود جغرافية أو ارتفاع طفيف في ميزان الحرارة؛ بل هو تحول شامل في طاقة الكوكب ومسارات الرياح وتوزيع الرطوبة، مما يجعل الاستعداد لهذا المستقبل المضطرب ضرورة قصوى للبشرية جمعاء.

تعليقات