تحدي التوقعات.. قفزة جديدة في سعر صرف الدولار تقلب موازين الأسواق العالمية
توقعات أداء الدولار مقابل العملات الأجنبية في ظل السياسات الاقتصادية الحالية تشغل بال المستثمرين والمحللين على نطاق واسع؛ حيث كانت محاولة تقييد الصعود الصاروخي للعملة الأمريكية، والذي تجاوز 50% على مدار عقد ونصف، جزءاً أصيلاً من رؤية الإدارة الحالية، ولكن مع تراجع مفعول المكاسب الأولية، يرى مراقبون أن الانخفاض الذي سجلته العملة بنسبة 7% العام الماضي قد يمثل نهاية المسار الهبوطي.
ومع وصول الرئيس الأمريكي إلى منتدى دافوس العالمي في ذكرى تنصيبه الثانية، يبدو أن النظرة العامة تجاه العملة الخضراء قد تحولت جذرياً، حتى بين هؤلاء الذين كانوا يتبنون مواقف سلبية للغاية تجاهها في الفترات السابقة؛ فالتحليلات تشير إلى أن المخاوف من خروج الاستثمارات الأجنبية بسبب النزاعات التجارية أو التوترات الجيوسياسية لم تجد طريقاً لأرض الواقع، بل إن الاقتصاد الأمريكي أظهر صموداً كبيراً مع الاحتفاظ بفجوة أسعار الفائدة لصالحه، كما أن الضغوط السياسية بشأن استقلالية الفيدرالي لم تؤثر بعمق على توازنات السوق الطويلة الأجل، وهو ما جعل العملة تستعيد بريقها بعد أسوأ انطلاقة نصف سنوية في تاريخها المعاصر؛ إذ ارتفعت بنحو 2% من مستوياتها المتدنية في منتصف عام 2025؛ وعند تقييم مؤشر سعر الصرف الفعلي الحقيقي الذي يرصد القوة الشرائية والتنافسية التجارية، نجد أن الخسارة لم تتجاوز 7% من أصل مكاسب تاريخية ضخمة تراكمت منذ عام 2011.
أسباب استقرار توقعات أداء الدولار مقابل العملات الأجنبية
تعتمد قوة العملة في جوهرها على تفوق الاقتصاد الكلي للولايات المتحدة مقارنة بباقي الشركاء التجاريين، وهو ما يفسر لماذا تبدو توقعات أداء الدولار مقابل العملات الأجنبية أكثر استقراراً في الوقت الراهن؛ حيث أنهى الاقتصاد الأمريكي عامه بنمو قوي تجاوز 4%، مع توقعات من البنك الدولي باستمرار الزخم بنحو 2.2% في 2026، وهو معدل يفوق بكثير ما يتوقعه الخبراء لمنطقة اليورو أو اليابان، كما أن أرباح الشركات الكبرى في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مرشحة للنمو بنسبة 15%، مما يعزز جاذبية الأسهم الأمريكية كبديل استثماري آمن ومربح في آن واحد؛ ويمكن رصد بعض المؤشرات الاقتصادية الحاسمة في الجدول التالي:
| المؤشر الاقتصادي | القيمة المتوقعة/المسجلة في الولايات المتحدة | المنافسون (أوروبا/اليابان) |
|---|---|---|
| معدل النمو السنوي الاقتصادي | 4% (نهاية العام) – 2.2% (2026) | أقل من نصف المعدل الأمريكي |
| نمو أرباح الشركات الكبرى | أكثر من 15% | أقل من الأمريكي بـ 4 نقاط مئوية |
| توقعات سعر اليورو مقابل الدولار | 1.20 (توقع وسيط) | ضعف محدود للدولار بنسبة 3% |
إن هذه الأرقام تعيد تشكيل السردية الاقتصادية حول العملة، فالمحللون الذين كانوا يراهنون على الهبوط الحاد في توقعات أداء الدولار مقابل العملات الأجنبية بدأوا في تغيير نبرتهم؛ حيث يرى خبراء في “سوسيتيه جنرال” أن السيناريو الوحيد الذي قد يضعف العملة هو حدوث انهيار مفاجئ في بورصة وول ستريت يكبح عجلة النمو، في حين اعترف كبار الاستراتيجيين في “دويتشه بنك” بأن حججهم السلبية تجاه العملة أصبحت أضعف مما كانت عليه، ورغم إيمانهم بتآكل جزء من ميزة الفائدة، إلا أنهم يرون أن التراجع يتطلب صدمة جديدة لم تظهر ملامحها بعد.
تأثير الأجندة التجارية لترامب على توقعات أداء الدولار مقابل العملات الأجنبية
تقوم فلسفة الإدارة الحالية على أن العجز التجاري هو نتاج سياسات خارجية غير عادلة، وأن القوة المفرطة للعملة تضر بالصناعة المحلية والوظائف، ولذلك فإن فهم توقعات أداء الدولار مقابل العملات الأجنبية يتطلب مراقبة التفاعل بين الرسوم الجمركية والنمو؛ فبينما كانت الخطة تهدف لخفض قيمة العملة لتعزيز الصادرات، أدت السياسات الموازية من تحفيز مالي وتخفيف للقيود، إضافة إلى الطفرة التكنولوجية في مجالات الذكاء الاصطناعي، إلى نتيجة مغايرة تماماً عبر جذب المزيد من رؤوس الأموال وتحفيز النمو، مما خلق حالة من التناقض الظاهري بين الرغبة السياسية والواقع الاقتصادي؛ ويمكن تلخيص العوامل المؤثرة في هذا المسار كما يلي:
- تحسن المناخ الاستثماري بفضل حزم التحفيز وتخفيف القيود التنظيمية المفروضة على الشركات.
- هيمنة التكنولوجيا الأمريكية وريادتها في قطاع الذكاء الاصطناعي مما جذب السيولة العالمية.
- فشل الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي في زحزحة قناعات المستثمرين حول الفائدة.
- تراجع الحاجة للتحوط من تقلبات العملة مع عودة الاستقرار النسبي للأسواق المالية.
ويبقى السؤال المركزي حول مدى إمكانية استمرار هذا التوازن المعقد، إذ يبدو أن محاولات فك الارتباط بين قوة الاقتصاد وقوة العملة لم تنجح كما كان مخططاً لها في أروقة “بيت ترامب” الاقتصادي؛ فكلما ازدهرت المؤسسات الأمريكية ونمت الأرباح، ارتفع الطلب تلقائياً على العملة، مما يجعل توقعات أداء الدولار مقابل العملات الأجنبية مرتبطة عضوياً بمدى تفوق “وول ستريت” على بقية العالم؛ إننا نشهد مرحلة تتسم بتلاشي مفعول الحرب التجارية مقابل صعود القوى الأساسية للسوق، وهو ما يضعف احتمالات حدوث انخفاضات كبرى كما كان متوقعاً في بداية العام الجاري، ليظل الأخضر هو الخيار الصعب في ظل غياب بدائل نمو حقيقية ومنتظمة في القارات الأخرى؛ فالنمو القوي والأسهم المنتعشة يشكلان حائط صد طبيعي ضد أي محاولة سياسية لخفض قيمة العملة بصورة قسرية، مما يجعل المشهد المالي العالمي رهيناً باستمرارية هذا التفوق الأمريكي الذي أثبت قدرته على الصمود أمام الاضطرابات الداخلية والخارجية.

تعليقات