زلزال الأسواق العالمية.. هل أطاحت الصراعات السياسية باستقرار الدولار أمام الذهب؟
تقلبات سعر الدولار الأمريكي مقابل العملات والمعادن تفرض اليوم واقعاً جديداً يتسم بالتخبط الحاد في الأسواق العالمية؛ حيث يواجه المستثمرون حالة غير مسبوقة من القلق نتيجة التحركات السياسية المفاجئة الصادرة عن البيت الأبيض، والتي تزامنت مع تزايد الشكوك حول استقلالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مما أعاد إلى الأذهان استراتيجيات “بيع أمريكا” وتسبب في ارتدادات عنيفة أربكت حسابات المتداولين الذين توقعوا ضعف العملة على المدى الطويل.
تأثير تقلبات سعر الدولار الأمريكي على المعادن والسلع
شهدت الساحة الاقتصادية في شهر يناير الماضي تحولات دراماتيكية عميقة؛ إذ تراجع مؤشر الدولار بنسبة 2% خلال أسبوع واحد فقط ليصل إلى أدنى مستوياته في أربع سنوات، قبل أن يرتد صعوداً بقوة مسبباً فوضى شاملة في قطاع المعادن والسلع الاستراتيجية، وقد جاءت هذه القفزة المفاجئة بعد قرار الرئيس دونالد ترامب بترشيح “كيفن وارش” لخلافة جيروم باول، مما أدى إلى انهيار سريع للصدارة التي حققها الذهب في وقت سابق، حيث سجل المعدن الأصفر هبوطاً بنسبة 5% في يوم واحد، وهو الانخفاض الأكبر منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت آثار التقلبات لتشمل عناصر حيوية أخرى في السوق العالمي:
- أسعار الفضة والنحاس التي سجلت تراجعات حادة ومفاجئة.
- خام برنت الذي اتجه نحو أسوأ أداء أسبوعي له منذ شهرين رغم مكاسبه السابقة.
- اختفاء الرهانات الضخمة التي استهدفت استغلال ضعف العملة لرفع أسعار المعادن.
وبحسب تقارير صادرة عن مؤسسات مالية كبرى مثل “سوسيتيه جنرال”، فإن السرعة التي تغيرت بها اتجاهات السوق تشير إلى هشاشة التوقعات في ظل التدخلات السياسية؛ إذ إن المستثمرين الذين راهنوا على استمرار صعود السلع وجدوا أنفسهم في مواجهة خسائر سريعة نتيجة هذا التقلب المفاجئ في القيمة السوقية للعملة الخضراء، وهو ما يعكس صعوبة التنبؤ بمسار الأصول في ظل هذه الظروف الراهنة.
مخاطر استقرار الأصول وقيمة الدولار الأمريكي في سوق الصرف
في سوق العملات العالمي الذي تتدفق فيه سيولة يومية تصل إلى 10 تريليونات دولار، سجل مؤشر اليورو مقابل العملة الأمريكية أعلى مستويات التذبذب المتوقعة منذ الصيف الماضي؛ حيث أشارت منظمة “كابيتال إيكونوميكس” إلى انفصال واضح بين قيمة العملة وبين مقاييس التقييم التقليدية المعتادة، مثل الفوارق في أسعار الفائدة بين واشنطن واليابان أو أوروبا، مما جعل العملة رهينة للخطاب السياسي المباشر بدلاً من المؤشرات الاقتصادية الكلاسيكية، وهذا الوضع دفع بنك “باركليز” إلى احتساب ما يسمى “علاوة مخاطر السياسة”، متسائلاً عن مدى قدرة العالم على الحفاظ على ثقته في قاعدة الأصول الأمريكية المقومة بالعملة الوطنية التي بات من الصعب تقييمها بشكل دقيق.
| المؤشر المالي | طبيعة التغيير أو القيمة |
|---|---|
| حجم التداولات اليومية في سوق العملات | 10 تريليونات دولار |
| إجمالي الأصول الأمريكية المملوكة للأجانب | 70 تريليون دولار |
| نسبة انخفاض الذهب في يوم واحد | 5% |
| مكاسب خام برنت في شهر يناير | 16% |
الهروب من الأصول الأمريكية وتذبذب الدولار الأمريكي عالمياً
يمتلك المستثمرون الأجانب حالياً أصولاً أمريكية تقدر بنحو 70 تريليون دولار، وهو رقم ضخم يمثل ضعف القيمة التي كانت مسجلة قبل عقد من الزمان، ولكن الغموض الحالي دفع مديري الأموال في أوروبا إلى إعادة النظر في حجم انكشافهم على هذه الأصول؛ حيث حذر “بنك أوف أمريكا” من أن أي انخفاض غير منظم في قيمة العملة بنسبة تصل إلى 5% شهرياً قد يؤدي إلى عمليات بيع واسعة لسندات الخزانة طويلة الأجل، وهذا السيناريو يمثل تهديداً وجودياً للمحافظ الاستثمارية الدولية، لأنه يجمع بين تراجع قيمة العملة وانخفاض قيمة الأصول المحلية في آن واحد، مما يسبب تشديداً مالياً كبيراً داخل الولايات المتحدة ويصعب من مهمة التحوط ضد المخاطر المتزايدة.
تجاوباً مع هذه الضبابية، اتجه كبار مديري الأصول مثل “أوليفر بلاكبيرن” في شركة “جانوس هندرسون” إلى اتخاذ مواقف محايدة عبر تقليص الاستثمارات في الأسهم والذهب لتجنب التقلبات المسيسة، بينما لجأت شركات أخرى مثل “ناينتي ون” إلى استراتيجيات معقدة لشراء خيارات بيع وشراء متقابلة لتغطية عدم اليقين بخصوص عوائد السندات؛ وفي الوقت نفسه، بدأت صناديق التحوط العالمية بالانسحاب التدريجي من أصول أمريكا الشمالية نتيجة التوترات التجارية المتزايدة، وهو ما يعكس رغبة جماعية في البحث عن ملاذات أكثر استقراراً بعيداً عن تقلبات الدولار الأمريكي والضبابية التي تخيم على المشهد السياسي في واشنطن وتأثيراتها العميقة على الاقتصاد العالمي.

تعليقات