رأي مستشار شرعي.. هل يحق لرجال الدين التدخل في شؤون الآخرين الخاصة؟

رأي مستشار شرعي.. هل يحق لرجال الدين التدخل في شؤون الآخرين الخاصة؟
رأي مستشار شرعي.. هل يحق لرجال الدين التدخل في شؤون الآخرين الخاصة؟

حكم التدخل في خصوصيات الآخرين يمثل أحد الركائز الأخلاقية والشرعية التي تحمي نسيج المجتمع واستقراره؛ حيث أكد المحامي والمستشار الشرعي الدكتور خالد الشايع أنه لا يجوز لأي فرد، سواء كان رجل دين أو غيره، أن يتجاوز حدوده الشخصية ليقحم نفسه في شؤون غيره؛ لأن هذه الخصوصيات أمانات لا يجوز إفشاؤها أو انتهاك حرمتها بأي شكل من الأشكال، فالأصل في العلاقات الإنسانية هو الاحترام المتبادل وترك ما لا يعني الفرد التزامًا بالمنهج النبوي الشريف الذي يعلي من شأن الستر والصيانة.

الضوابط الشرعية التي توضح حكم التدخل في خصوصيات الآخرين

يرتكز المجتمع الساوي على منظومة قيمية ترفض التطفل، وقد أوضح الدكتور خالد الشايع في حديثه لبرنامج “في الشارع” عبر قناة السعودية أن المنع من التدخل في شؤون الناس ليس مجرد عرف اجتماعي، بل هو أمر محرم لا يصح شرعًا ولا أدبًا ولا خُلقًا ولا حتى من منظور إنساني بحت؛ فالمسلم الحق هو من طبق وصية النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”، وهذا الحكم يشمل كافة أشكال الاختراق والبحث في أسرار الناس التي لا تخدم مصلحة عامة، بل تؤدي إلى إثارة الضغائن وتفكيك الروابط الأخوية بين أفراد المجتمع الواحد؛ ولذلك فإن الوعي بـ حكم التدخل في خصوصيات الآخرين يستوجب من الشخص أن يربأ بنفسه عن تتبع عثرات الناس أو البحث عما يخفونه من شؤونهم الشخصية التي لا تعنيه في شيء.

مخاطر إشاعة الأخبار المؤسفة وضياع حكم التدخل في خصوصيات الآخرين

تتنوع درجات الانتهاك للخصوصية في العصر الحديث، فمنها ما يبدأ بسماع خبر وبدء إشاعته بين الناس، أو استغلال خطأ وقع فيه أحد الأفراد للتحدث عنه في المجالس، وصولًا إلى المظاهر السيئة التي نراها في وسائل التواصل الاجتماعي من تداول مقاطع تكشف سترًا أو تعيب أحدًا؛ حيث إن إعادة إرسال هذه المقاطع أو نشرها يتنافى تمامًا مع أصل حكم التدخل في خصوصيات الآخرين ومع أخلاق الكرام الذين يحرصون دومًا على الستر، فالهدف من التستر هو منع اعتياد الناس على رؤية الوقائع السيئة واستساغتها؛ لأن انتشار السوء يؤدي إلى ذهاب هيبة المنكر في القلوب، وقد حذر الشايع من الوقوع في فخ جلد الذات المجتمعي أو التقنيط من رحمة الله من خلال ترويج فكرة “هلاك الناس” وفقدان الخير فيهم، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم”، مما يستوجب مراعاة الآتي عند التعامل مع المحتوى اليومي:

  • الامتناع الفوري عن إعادة نشر أي محتوى يمس ستر الآخرين أو يكشف عيوبهم.
  • الحرص على نشر الأخبار الإيجابية التي تعزز روح الخير والترابط في المجتمع.
  • تجنب إصدار الأحكام العامة على الناس بالفساد أو الهلاك مهما ساءت الظواهر.
  • الوعي بأن التدخل في الشؤون الخاصة هو بداية لطريق العذاب الأليم الذي توعد الله به محبي إشاعة الفاحشة.

متى يكون التدخل ضرورة بعيدًا عن حكم التدخل في خصوصيات الآخرين؟

هناك خيط رفيع يفصل بين التطفل المذموم والتعاون الواجب، فبينما يظل حكم التدخل في خصوصيات الآخرين بالمنع قائماً في الأمور الشخصية، تبرز حالات تعني الإنسان ويجب عليه التحرك فيها، مثل مبادرة الشخص لتقديم مساعدة لشخص يحتاجها في الشارع، أو الاستجابة لاستغاثة تصدر من داخل منزل يطلب فيه أهله العون؛ فهذه المواقف لا تدخل تحت بند التدخل فيما لا يعني الشخص، بل هي صلب “التعاون على البر والتقوى” الذي حث عليه الدين الإسلامي، ويمكن تلخيص الفرق بين التدخل المذموم والتدخل المحمود في الجدول التالي:

نوع التدخل أمثلة وتطبيقات الحكم والموقف الشرعي
تدخل في الخصوصيات نشر مقاطع العيوب، تتبع الأسرار، إشاعة الأخبار السيئة مذموم شرعًا وأدبًا (لا يصح)
تدخل للبر والتقوى إغاثة الملهوف، مساعدة محتاج في الطريق، تلبية الاستغاثة واجب ومندوب (تعاون محمود)

إن الالتزام الصحيح بـ حكم التدخل في خصوصيات الآخرين يتطلب من الفرد أن يكون حارسًا للخير ومغلاقًا للشر، فلا يسعى لنشر ما يسوء المؤمنين، ولا يتتبع العثرات التي لا تزيد المجتمع إلا فرقة، بل يوجه طاقته نحو البناء والمساعدة الفعلية التي تخدم الإنسانية، ممتثلًا لقول الله تعالى في التحذير من حب إشاعة الفواحش، مما يجعل التركيز على إصلاح النفس وتقديم العون الحقيقي للغير هو المسار الأمثل للحياة الكريمة.