أحكام شرعية.. هل يجوز أداء صلاة الاستسقاء في أوقات الكراهة؟
وقت صلاة الاستسقاء وحكم أدائها في أوقات الكراهة يعد من المواضيع الفقهية الحيوية التي تشغل بال المسلمين عند انحباس المطر وجدب الأرض؛ حيث تعتبر هذه الصلاة سنة مؤكدة يهرع إليها العباد تضرعًا لخالقهم لطلب الغيث والرحمة، ويتحدد وقت صلاة الاستسقاء بشكل أساسي في وقت صلاة العيد لدى جمهور الفقهاء؛ وذلك ليبدأ مع ارتفاع الشمس قيد رمح وينتهي قبل الزوال، محققًا بذلك غاية الجمع والتبكير في الطاعة قبل الانشغال بشؤون الدنيا الفانية.
متى يتم تحديد وقت صلاة الاستسقاء وهل يجوز أداؤها ليلاً؟
تتنوع آراء الفقهاء حول المدى الزمني الذي يمكن فيه إقامة هذه الشعيرة، فبينما يرى المالكية والشافعية والحنابلة أن الأفضلية هي في وقت الضحى اقتداءً بفعل النبي ﷺ، يذهب محققون آخرون ومنهم الشافعي إلى أن وقت صلاة الاستسقاء أوسع من ذلك بكثير؛ حيث يرى هؤلاء أنها صلاة مرتبطة بوجود سبب وهو الحاجة للمياه، وبالتالي يمكن أداؤها في أي وقت من ليل أو نهار دون تقيد بساعة محددة، إلا أن العلماء اتفقوا على ضرورة تجنب الأوقات التي تُكره فيها الصلاة شرعًا لضمان صحة العبادة وقبولها، ويوضح الجدول التالي تفاصيل الأوقات المتعلقة بهذه الصلاة وفق المشهور من أقوال أهل العلم:
| التوقيت | الحكم الفقهي |
|---|---|
| من بعد شروق الشمس بـ 20 دقيقة إلى ما قبل الظهر | الوقت الأفضل والمستحب (وقت صلاة العيد) |
| عند الشروق، عند استواء الشمس، وعند الغروب | أوقات الكراهة التي يجب تجنب الصلاة فيها |
| بقية أوقات النهار والليل | جائزة عند الحاجة وعند الشافعية لكونها ذات سبب |
الحكمة الروحية من اختيار وقت صلاة الاستسقاء في الضحى
إن اختيار التوقيت الباكر للخروج إلى المصليات يحمل دلالات عميقة ترتبط بحالة الافتقار والمسكنة التي يجب أن يكون عليها العباد؛ فوقت الضحى يمثل بداية تفتح الأرزاق ونشاط الكائنات، وخروج الناس فيه متبذلين بملابس متواضعة وصيامًا يزيد من روحانية المشهد وضراعة الدعاء، كما أن الالتزام بنفس وقت صلاة الاستسقاء المعهود للعيد يجمع المسلمين في الخلاء والمصليات العامة وليس في المساجد إلا للضرورة الملحقة؛ وذلك لتبرز هيبة الجمع وتتوحد القلوب في فضاء مفتوح يذكرهم بعظمة الخالق، ويُستحب في هذا الوقت الإكثار من الاستغفار والذكر حيث ينادى لها “الصلاة جامعة” لإعلام الجميع ببدء لحظات التذلل طلباً للسقيا، ولا يحتاج المصلون في هذا الوقت لأذان أو إقامة بل يكتفون بالنية والاجتماع خلف الإمام لإحياء هذه السنة المهجورة في كثير من الأوقات وتجديد العهد مع الله بالتوبة والرجوع عن الذنوب.
تأثير وقت صلاة الاستسقاء على ترتيب الخطبة وسنة تحويل الرداء
يرتبط الترتيب الزمني لهذه العبادة ارتباطًا وثيقًا بجوهر الدعاء والرجاء، فعندما يحين وقت صلاة الاستسقاء يتقدم الإمام ليصلي بالناس ركعتين بجهر، يطبق فيهما تكبيرات صلاة العيد بسبع في الأولى وخمس في الثانية؛ ليتبع ذلك بإلقاء خطبة أو خطبتين تركزان على الوعظ ورد المظالم والتوبة النصوح، وفي ختام هذا التوقيت المبارك يسن للإمام والمصلين تحويل أرديتهم وقلب ثيابهم كتعبير رمزي عن التفاؤل بتغير الحال من الضيق إلى الفرج ومن الجفاف إلى الغيث المغيث، ومن أهم الضوابط التي يجب مراعاتها في عصرنا الحالي ما يلي:
- الالتزام بالموعد المحدد من قبل ولي الأمر أو وزارات الأوقاف لضمان وحدة الجماعة.
- الحرص على شهود الصلاة في وقتها الرسمي لنيل أجر الجماعة الكبرى الذي يفوت بالصلاة المنفردة.
- التواجد في المصليات قبل بدء الصلاة بوقت كافٍ لتهيئة النفس بالاستغفار.
- تجنب الانشغال بالتصوير أو المظاهر الدنيوية التي قد تذهب خشوع اللحظة.
ويجوز لمن فاته الوقت الجماعي أن يصليها وحده أو مع أهله في غير ساعات الكراهة، لكن تبقى الجماعة هي الأصل والهدف الأسمى لتحقيق الاستجابة ونزول النفحات الإلهية التي تحيي الأرواح والأرض بعد موتها.
إن تعظيم وقت صلاة الاستسقاء يعكس يقين المؤمن بأن الرزق والمطر بيد الله وحده؛ وأن اتباع السنة في تبكير الخروج والالتزام بآداب الصلاة والخطبة هو المفتاح الحقيقي لفتح أبواب السماء، فالمؤمن الحقيقي يغتنم كل ثانية في ذلك الوقت بالضراعة واليقين بأن الله الذي أمرنا بالدعاء هو الذي تكفل بالإجابة، لتكون هذه العبادة مدرسة ميدانية في التوبة والتكافل الاجتماعي بين المسلمين، فما إن ينتهي المصلون من دعائهم ويعودون لبيوتهم قبل اشتداد الحر إلا وقلوبهم معلقة برحمة الله التي لا تنقطع، واثقين بأن الاستغفار الصادق والوعد الإلهي كفيلان بإرسال السماء مدرارًا لتسقي البلاد والعباد والبهائم في مشهد إيماني مهيب يجسد معنى العبودية الحقة.

تعليقات