تحركات مرتقبة.. اليورو يحتاج دعماً من أسعار الصرف لتحقيق استقرار القيمة العالمية
مستقبل الهيمنة الاقتصادية لليورو مقابل الدولار يمثل القضية الجوهرية التي تشغل بال صناع القرار في واشنطن وبروكسل على حد سواء، حيث يدرك هؤلاء الخبراء بوضوح أن سيادة العملة على الساحة العالمية تختلف جوهريًا عن تقلبات أسعار الصرف اليومية؛ ومع ذلك تبرز حجة اقتصادية قوية تؤكد أن طموح القارة العجوز في توسيع نطاق استخدام عملتها الموحدة سيعيد حتمًا تقييم وزنها المالي في النظام الدولي، خاصة مع تصاعد حدة التوترات الدبلوماسية عبر المحيط الأطلسي وتزايد الحاجة الأوروبية لتحصين دفاعاتها الاقتصادية بعيدًا عن الارتباط المفرط بالعملة الأمريكية المتقلبة.
خطط تعزيز مستقبل الهيمنة الاقتصادية لليورو مقابل الدولار
برزت ملامح التحرك الأوروبي الجاد خلال مؤتمر ميونيخ للأمن والقمة غير الرسمية للاتحاد الأوروبي التي عقدت مؤخرًا، حيث تم ضخ زخم جديد في مشروع تكامل أسواق رأس المال وتوسيع مبيعات ديون اليورو المشتركة لتعزيز السيولة العالمية، ويسعى القادة بقيادة البنك المركزي الأوروبي إلى تحويل العملة الموحدة إلى ملاذ آمن يقلل من الانكشاف المفرط للعالم على الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من عدم استقرار سياسي ملموس؛ ولضمان السرعة في التنفيذ تتبنى ست دول محورية هي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وبولندا نهجًا متسارعًا لتجاوز أي تعقيدات قد تطرأ من الدول الـ 27 الأخرى قبل القمة المرتقبة مطلع الشهر القادم.
تتضمن الاستراتيجية الأوروبية الجديدة عدة ركائز أساسية تهدف إلى تغيير موازين القوى المالية:
- تعميق سوق رأس المال الموحد لتوفير قنوات تمويل أوسع للشركات والمستثمرين الدوليين.
- إصدار سندات ديون مشتركة تحت مظلة اليورو لزيادة جاذبية الأصول الأوروبية.
- توسيع نطاق الوصول إلى السيولة والتمويل العالمي عبر البنك المركزي الأوروبي لتسهيل التعاملات العابرة للحدود.
- تحفيز استخدام اليورو في فواتير التجارة الدولية وتسعير السلع الاستراتيجية لتقليص نفوذ الدولار الورقي.
صراع الهيمنة وتأثيره على مستقبل الهيمنة الاقتصادية لليورو مقابل الدولار
بالنظر إلى التداعيات المتوقعة، يرى البروفيسور إسوار براساد أن التراجع التدريجي للدولار ممكن دون فقدان مكانته القيادية، لكنه يحذر في كتابه “حلقة الهلاك” من أن استمرار هذا الانفراد قد يكون المحرك الرئيسي لعدم الاستقرار العالمي؛ فالدول تجد نفسها مكشوفة أمام تقلبات السياسات الأمريكية غير المنضبطة، مما يدفع المستثمرين للبحث عن بدائل كالذهب أو اليورو، وبينما ترى إدارة ترمب أن قوة الدولار تكمن في انتشاره التمويلي بمعزل عن السعر، فإنها تعتبر تصحيح قيمته المبالغ فيها وسيلة ضرورية لإعادة توازن التجارة العالمية وهو أمر يرقبه الأوروبيون بحذر شديد.
ويقارن المحللون الماليون بين الوضع الراهن وما حدث في عصر انتقال السيادة من الجنيه الإسترليني إلى الدولار:
| المرحلة التاريخية | العملة المهيمنة الصاعدة | النتيجة على سعر الصرف |
|---|---|---|
| بين الحربين العالميتين | الدولار الأمريكي | ارتفاع مستمر رغم محاولات خفض القيمة |
| الحقبة الحالية | اليورو الأوروبي | ضغوط صعودية محتملة تهدد تنافسية الصادرات |
مستقبل الهيمنة الاقتصادية لليورو مقابل الدولار والقدرة التنافسية
تجد أوروبا نفسها في موقف “بين الحلو والمر”؛ فهي تطمح لما يسمى بـ “الامتياز الباهظ” الذي تتمتع به العملة الاحتياطية العالمية، لكنها تخشى في الوقت ذاته من أن يؤدي ذلك لارتفاع حاد في قيمة اليورو يضرب تنافسية صادراتها ويكبح التضخم في المناطق الضعيفة نموًا؛ ويجادل جيل مويك من مجموعة “أكسا” بأن فصل سعر الصرف عن الاستخدام العالمي هو ضرب من الخيال النظري، إذ أن زيادة الطلب العالمي على العملة كاحتياطي سترفع قيمتها تلقائيًا كما حدث تاريخيًا مع الدولار، وهو ما يضع البنك المركزي الأوروبي أمام تحدي ربط سياساته النقدية بهذا الدور الطموح بمرونة عالية.
إن التحول نحو دور عالمي أكثر فاعلية لليورو قد يغير بنية الاقتصاد الأوروبي جذريًا، حيث يحفز تدفقات المستثمرين الأجانب نحو الأصول الأوروبية في توقيت حرج، وقد يساهم ارتفاع قيمة العملة الموحدة في دفع التكتل للتحول من نموذج قائم على التصدير إلى اقتصاد يعتمد بشكل أكبر على الإنتاج والطلب المحلي؛ ولتأمين هذا الانتقال السلس يظل اعتماد سياسة نقدية مرنة ضرورة قصوى لتفادي أي انهيار في التنافسية التجارية، وإذا كانت أوروبا قد قررت بالفعل تجاوز الخطوط الحمراء نحو السيادة المالية المطلقة، فعليها أن تتقبل التحديات التي ستفرضها الهيمنة الجديدة بكل تبعاتها.

تعليقات