بديل المارك الألماني.. لماذا تدرس السويد التخلي عن الكرونة واعتماد اليورو؟
انضمام السويد لمنطقة اليورو بات اليوم محور نقاش حيوي يتجاوز الحدود الاقتصادية التقليدية ليصل إلى عمق الحسابات الجيوسياسية والأمنية في القارة الأوروبية؛ فبعد مرور أكثر من عشرين عامًا على الاستفتاء الشعبي التاريخي في عام 2003 الذي حسم بقاء الكرونة السويدية عملة وطنية، تعود التساؤلات لتطفو على السطح حول ما إذا كانت ستوكهولم مستعدة للتخلي عن سيادتها النقدية لصالح العملة الموحدة في ظل مشهد عالمي شديد التعقيد والاضطراب.
تغيرت المعادلة الاستراتيجية بشكل جذري بعد انضمام السويد رسمياً إلى حلف الناتو عام 2024 كنتيجة مباشرة لاندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما جعل الحديث عن انضمام السويد لمنطقة اليورو يبدو كخطوة طبيعية ومكملة للاندماج الدفاعي والأمني الذي بدأت ملامحه تتشكل بوضوح؛ إذ يرى العديد من الساسة والخبراء في ستوكهولم أن التكامل النقدي مع بروكسل ليس مجرد رفاهية مالية بل هو ضرورة أمنية قصوى لتثبيت مكانة البلاد داخل المنظومة الأوروبية، خاصة أن سياسات واشنطن المتقلبة في عهد الرئيس دونالد ترامب ولدت شعوراً بالحاجة إلى بناء درع اقتصادي ذاتي يحمي دول الاتحاد من أي صدمات خارجية قد تفرضه السياسات التجارية الأمريكية المنعزلة؛ فالتعاون الداخلي أصبح صمام أمان في زمن تنحسر فيه العلاقات التقليدية العابرة للأطلسي وتتصاعد فيه مخاطر الصراعات الاقتصادية الكبرى.
مكاسب انضمام السويد لمنطقة اليورو على مستوى قطاع الأعمال
يتفق كبار الاقتصاديين على أن المكاسب الاقتصادية من هذه الخطوة تتركز في تسهيل حركة التبادل التجاري الضخمة، حيث إن أكثر من 60% من صادرات السويد وسلعها يتم تبادلها داخل الأسواق الأوروبية، وهو ما يجعل انضمام السويد لمنطقة اليورو وسيلة مثالية للقضاء على مخاطر تقلبات سعر الصرف التي ترهق كاهل الشركات؛ كما أن اعتماد العملة الموحدة سيؤدي بالتبعية إلى خفض تكاليف التحوط والمخاطر للمصدرين والمستوردين، ويوفر بيئة جاذبة للاستثمارات العابرة للحدود بفضل الشفافية السعرية، وهذا التوجه يتلقى دعماً واسعاً من قطاع الأعمال الذي يرى في اليورو أداة لتعزيز التنافسية؛ وفي المقابل ستفقد السويد ميزة تعويم الكرونة التي كانت تعمل كصمام أمان لامتصاص الأزمات وتحفيز الصادرات خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، وهو ثمن باهظ يتعلق بالاستقلالية النقدية للبنك المركزي وقدرته على إدارة السياسة المالية بمعزل عن قرارات البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت.
| المعيار الاقتصادي | السويد (الكرونة) | منطقة اليورو |
|---|---|---|
| نسبة الديون إلى الناتج الإجمالي | 33% تقريباً | تتجاوز 80% |
| نسبة التجارة مع الاتحاد الأوروبي | أكثر من 60% | تكامل نقدي كامل |
| فترة الانتقال الفنية المتوقعة | 4 سنوات كحد أدنى | سنتان لتثبيت الصرف |
على الجانب الآخر من المعادلة، نجد أن انضمام السويد لمنطقة اليورو يمثل مصلحة استراتيجية للعملة الموحدة نفسها، حيث ستساهم هذه الخطوة في رفع منسوب الثقة الدولية باليورو كبديل قوي ومستقر أمام التذبذبات التي يعاني منها الدولار، خاصة مع توجه بعض المستثمرين لتقليل انكشافهم على الأصول الأمريكية نتيجة القرارات السياسية غير المتوقعة لواشنطن؛ ومع ذلك تظل المخاوف السويدية قائمة وبقوة، وتتركز بشكل أساسي في الفجوة الكبيرة بين مستويات الدين العام، حيث تتمتع السويد بمالية عامة منضبطة جداً بديون لا تتجاوز 33% من ناتجها المحلي، بينما تغرق دول عديدة في منطقة اليورو في ديون تتخطى حاجز 80%، وهذا يثير قلقاً مشروعاً لدى المعارضين من أن تتحول ستوكهولم إلى ممول لخلفيات وأزمات ديون سيادية لا علاقة لها بها؛ وهي معضلة يحمل لواءها حزب “ديمقراطيو السويد” الذي يمثل قوة سياسية كبرى ترفض المساس بالعملة الوطنية والمكاسب الاقتصادية المستقلة.
التحديات السياسية والجدول الزمني لعملية انضمام السويد لمنطقة اليورو
رغم استيفاء السويد لكافة معايير التقارب الاقتصادي من تضخم منخفض ومالية قوية، إلا أن العقبات تظل في جوهرها “سياسية” بامتياز، فالشعب السويدي والقوى المعارضة يخشون ذوبان الهوية الاقتصادية، لكن لارس كالمفورس، أستاذ الاقتصاد الدولي بجامعة ستوكهولم، يرى أن انضمام السويد لمنطقة اليورو تقنياً لن يكون معجزة صعبة المنال؛ فالسويد تمتلك واحداً من أكثر الأنظمة المالية رقمنة في العالم، حيث تكاد تختفي التعاملات الورقية تماماً، وهو ما يسهل عملية سحب الكرونة وإحلال اليورو بتكاليف لوجستية أقل بكثير من دول أخرى، ولكن العملية برمتها تحتاج إلى أربع سنوات على الأقل لضمان استقرار سعر الصرف أمام اليورو لمدة عامين متتاليين كشرط إلزامي قبل التبني الكامل؛ وهذه الفترة الزمنية كفيلة بفتح نقاشات معمقة حول التمركز الجديد للسويد داخل “القارة العجوز” وكيفية حماية مكتسباتها المالية من أزمات منطقة اليورو المحتملة.
- تحليل الجدوى الاقتصادية وإلغاء مخاطر سعر الصرف المباشر.
- تقييم الأثر الأمني والجيوسياسي للاندماج مع التكتلات الأوروبية الكبرى.
- مواجهة المعارضة السياسية الداخلية وتحديداً من حزب ديمقراطيي السويد.
- تثبيت سعر صرف الكرونة أمام اليورو لمدة عامين لضمان الاستقرار.
إن قرار انضمام السويد لمنطقة اليورو يتجاوز كونه تغييراً في شكل الأوراق النقدية أو أرقام الحسابات البنكية، بل هو إعادة تموضع شاملة للدولة الإسكندنافية في عالم يتشكل من جديد بناءً على تكتلات القوة وصراعات النفوذ؛ فالكرونة التي كانت رمزاً للاستقلال والسيادة تواجه اليوم اختباراً حقيقياً أمام رغبة النخب في بناء كيان أوروبي صلب وموحد قادر على الصمود في وجه العواصف الاقتصادية العالمية، ويبقى السؤال معلقاً بين حنين السيادة وتحديات المستقبل وما ستؤول إليه نتائج الحراك السياسي القادم في ستوكهولم.

تعليقات